ابن عجيبة
91
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : إن اللّه لا يترك أن يظهر مثلا من أنوار قدسه بارزا بقدرته ، مرتديا برداء حكمته ، ملتبسا بأسرار ذاته ، مكسوّا بأنوار صفاته من الذرة إلى مالا نهاية له ، فالمتجلّى في النملة هو المتجلى في الفيلة ، فأما الذين صدّقوا بتجلى الذات في أنوار الصفات ، فيقولون : إنه الحق فائض من نور الربوبية ، محتجبا برداء الكبرياء وسبحات الألوهية . وأما الجاحدون لظهور نور ذات الربوبية فينكرونه في حال ظهوره ، ويقولون : ماذا أراد اللّه بهذه العوالم الظاهرة ؟ فيقول الحق تعالى : أردت ظهور قدرتى وعجائب حكمتى ، ليظهر سر ربوبيتى في مظاهر عبوديتى . قال الشيخ أبو الحسن رضى اللّه عنه : « العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية » وقيل لأبى الحسن النّورى : ما هذه الأماكن والمخلوقات الظاهرة ؟ فقال : عز ظاهر وملك قاهر ، ومخلوقات ظاهرة به ، وصادرة عنه ، لا هي متصلة به ولا منفصلة عنه ، فرغ من الأشياء ولم تفرغ منه ، لأنها تحتاج إليه وهو لا يحتاج إليها . ه . فأراد اللّه بظهور هذا الكون أن يضل به قوما فيقفون مع ظاهر غرّته ، ويهدى به قوما فينفذون إلى باطن عبرته . وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن دائرة الشهود ، المنكرين لتجليات الملك المعبود ، الذين ينقضون عهد اللّه ، وهو معرفة الروح التي حصلت لها وهي في عالم الذر ، ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل من الشيوخ العارفين ، الذين أهّلهم اللّه للتربية والترقية ، وهم لا ينقطعون ما دامت الملّة المحمدية ، ويفسدون في الأرض بالإنكار والتعويق عن طريق الخصوص ، بتضييعهم الأصول ، وهي صحبة العارفين ، والتأدب لهم ، والتعظيم لحرمتهم . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم عجّب الحقّ تعالى خلقه من خفائه بعد شدة ظهوره ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 28 ] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 ) قلت : ( كيف ) حال ؛ لأنها وقعت قبل كلام تام . يقول الحق جل جلاله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وتجحدون نعمه المتوالية ، وَ الحالة أنكم كُنْتُمْ أَمْواتاً نطفا في الأرحام ، فَأَحْياكُمْ بنفخ الروح في أجسادكم ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ عند البعث لحسابكم ، ثم يسكنكم دار القرار ، إما إلى الجنة وإما إلى النار . فهذه الآثار دالة على باهر قدرته وتمام حكمته ، فقد وضح الحق وظهر ، فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ .